ابن أبي الحديد
95
شرح نهج البلاغة
اليتامى ظلما ، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، وكل خير يدنى إلى الجنة ، ويباعد عن النار أمركم به ، وكل شر يدنى إلى النار ويباعد عن الجنة نهاكم عنه فلما استكمل مدته ، وفاه الله إليه سعيدا حميدا ، فيالها مصيبة خصت الأقربين ، وعمت المسلمين ! ما أصيبوا قبلها بمثلها ، ولن يعاينوا بعدها أختها . فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وسلم ، تنازع المسلمون الامر بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الامر بعد محمد عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عنى من بعده . فما راعني إلا انثيال الناس على أبى بكر ، وإجفالهم ( 1 ) إليه ليبايعوه ، فأمسكت يدي ، ورأيت أنى أحق بمقام محمد صلى الله عليه في الناس ممن تولى الامر من بعده ، فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام ، يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه ، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما يكون المصاب بهما على أعظم من فوات ولاية أموركم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب ، وكما يتقشع السحاب ، فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته ، ونهضت في تلك الاحداث ، حتى زاغ الباطل وزهق ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ولو كره الكافرون . فتولى أبو بكر تلك الأمور ، فيسر وسدد ، وقارب واقتصد ، وصحبته مناصحا ، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا ، وما طمعت - أن لو حدث به حادث وأنا حي أن يرد إلى الامر الذي نازعته فيه - طمع مستيقن ، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه ، ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر ، لظننت أنه لا يدفعها عنى ، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا
--> ( 1 ) أجفل الناس وانجفوا ، أي ذهبوا مسرعين .